ساسي سالم الحاج
22
نقد الخطاب الاستشراقي
نطاق . ومن ثمّ فإن مهمة المجاهدين في الإسلام لم تكن هداية الكافرين فحسب ، بل وإخضاعهم أيضا « 1 » . بالنسبة إلى الإجابة عن السؤال المطروح في الدوائر الاستشراقية : هل كانت دعوة النبي إقليمية قومية أم هل كانت لها أبعاد عالمية ؟ يجيب جولدزيهر : إنه بالرغم من الآراء المتعارضة حول هذا الموضوع فإنه يراه مبعوثا للناس كافة ، لأن نظرته الداخلية - أي الرسول - قد امتدت منذ أول رسالة إلى مدى أوسع وأفق أرحب ، برغم أفقه الجغرافي المحدود الذي لم يكن ليترك له مجالا للتفكير في صنع خطة أولية لدين عالمي ، فمنذ بدء الأمر كانت فكرته عن رسالته أن اللّه أرسله « رحمة للعالمين » . وهناك جملة تكررت كثيرا في القرآن ، وهي وصف التعاليم الإلهية بأنها « ذكر للعالمين » . والمقصود بذلك هو الإنسانية بأوسع معانيها . كما أن التواتر من الأحاديث الإسلامية نفسها يعبّر عن إدراك النبي أن رسالته موجهة إلى الجنس الإنساني بأسره أو إلى الناس كافة ، وقد عبّر - أي الرسول - عن فكرته في فتح العالم بأقوال واضحة ، وتنبأ عنها بأعمال رمزية ، وعلى العموم فإن جولدزيهر يرى أن محمدا كان يتصوّر الإسلام بوجه عام قوة تتجاوز بكثير حدود الشعب العربي وتشمل جزءا كبيرا من الجنس البشري « 2 » . إن الحكم الذي أصدره المستشرق البريطاني ماكدونالد على النبي يتسم بصفتين مختلفتين ؛ إحداهما : الحالة المرضية - الباثولوجية - التي تنتابه أحيانا خاصة في المراحل الأولى للدعوة الإسلامية ، والأخرى مصداقيته في رسالته ، واعتقاده الجازم النابع من أعماق ضميره بأنه نبي موحى إليه من اللّه . إلا أنّه بعد إصدار حكمه هذا لا يستبعد أنه هو الآخر واهم فيما ذهب إليه ، فالمستشرق - كما يقول - جدير بإطلاق أحكام وهمية حول أصل الوحي الذي هو عبارة عن توليد أحداث مناقضة للنواميس الطبيعية « 3 » . وبعد تحليله لطبيعة الوحي في مكة والمدينة يصل إلى نتيجة غريبة مفادها أن النبي في حقيقة أمره عبارة عن شاعر على طراز شعراء العرب الأقدمين إلا أنه شاعر « ثمل في حب اللّه » « 4 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 30 - 31 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 31 - 32 . ( 3 ) MACDONALD , Attitude , op . cit , pp . 69 - 156 . in , WAARDENBURG , op . cit , p . 146 . ( 4 ) Ibid , op . cit , p . 146 .